اسد حيدر
386
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
في حائط له والعراق يتصبب ، فقلت : جعلت فداك أعطني أكفك ، فقال لي : إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة . ويقول إسماعيل بن جابر : أتيت أبا عبد اللّه وإذا هو في حائط له ، وبيده مسحاة وهو يفتح بها الماء . . . وعن الفضل بن أبي قرة قال : دخلنا على أبي عبد اللّه في حائط له ، وبيده مسحاة يفتح بها الماء وعليه قميص . . . وكان يقول إني لأعمل في بعض ضياعي ، وإن لي من يكفيني ليعلم اللّه عز وجل أني أطلب الرزق الحلال . وكان عليه السّلام يشجع على العمل ويحث عليه ، لأنه يرى أن الكسالة تؤدي إلى الخط من كرامة المرء ، وتقذف به في حضيض الهوان . فإن الإسلام يرشد بتعاليمه إلى الجد وطلب المعيشة في الدنيا ، كما أرشد إلى العمل وطلب الجزاء في الآخرة . ولقد وهب اللّه للإنسان في عقله وجسمه قدرة يطرق بها أبواب الخير في رزقه ، فلا يصح له أن يذر اعمال تلك القوة ويسأل الرزق بلسان العاجز الكسلان : وقد ورد في الحديث : « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » . فالعمل في الإسلام ضمن قواعده المهمة ، ولم يرض للمسلم البطالة والكسل ، حتى ورد في الحديث « ملعون ملعون من ألقى كله على الناس ، ملعون ملعون من ترك من يعول به » . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : ما غدوة أحدكم للجهاد في سبيل اللّه بأعظم من غدوة من يطلب لولده وعياله ما يصلحهم . وقال عليه السّلام : « الشاخص في طلب الحلال كالمجاهد في سبيل اللّه » إلى غير ذلك من أقوال تبيّن شدة الاهتمام بطلب الحلال . فكان الإمام الصادق كثيرا ما يلقي على تلامذته تلك الدروس القيمة ويحثهم على العمل والجد ، وينهاهم عن البطالة التي تخمد جذوة الفكر ، وتعوّد الجسم على العجز ، وتميل به عن الاعتدال ، وتسقطه في المجتمع من عين الاعتبار . ولقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « إني لأرى الرجل فيعجبني ، فأقول : أله حرفة ؟ فإن قالوا لا سقط من عيني » .